الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
436
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
جعل لك على نفسه أن يكفيك أمر الدنيا والآخرة . ثم في الخبر ، ذكر باقي الحقوق - ففيه : وحقّ نفسك عليك أن تستعملها بطاعة اللّه تعالى ، وحقّ اللسان إكرامه عن الخناء وتعويده الخير وترك الفضول الّتي لا فائدة فيها والبرّ بالناس وحسن القول فيهم ، وحق السمع تنزيهه عن سماع الغيبة وسماع مالا يحل سماعه ، وحقّ البصر أن تغضهّ عمّا لا يحلّ لك وتعتبر بالنظر به ، وحقّ يدك ألّا تبسطها إلى مالا يحلّ لك ، وحقّ رجليك ألّا تمشي بهما إلى مالا يحلّ لك ، فبهما تقف على الصراط ، فانظر ألّا تزل بك فتردى في النار ، وحقّ بطنك ألّا تجعله وعاء للحرام ولا تزيد على الشبع ، وحقّ فرجك أن تحصنه عن الزنا وتحفظه من أن ينظر إليه ، وحقّ الصلاة أن تعلم أنّها وفادة إلى اللّه تعالى وأنت فيها قائم بين يديه عزّ وجلّ ، فإذا علمت ذلك قمت مقام العبد الذليل الحقير الراغب الراهب الراجي الخائف المستكين المتضرّع المعظّم لمن كان بين يديه بالسكون والوقار ، وتقبل عليها بقلبك وتقيمها بحدودها وحقوقها ، وحقّ الحجّ أن تعلم أنهّ وفادة إلى ربّك ، وفرار إليه من ذنوبك ، وقبول توبتك وقضاء الفرض الّذي أوجبه اللّه تعالى عليك ، وحقّ الصوم أن تعلم أنهّ حجاب ضربه اللّه تعالى على لسانك وسمعك وبصرك وبطنك وفرجك ليسترك به من النار ، فان تركت الصوم خرقت ستر اللّه عليك ، وحقّ الصدقة أن تعلم أنّها ذخرك عند ربّك ووديعتك الّتي لا تحتاج إلى الإشهاد عليها وكنت لما تستودعه سرا أوثق منك بما تستودعه علانية ، وتعلم أنّها تدفع البلايا والأسقام عنك في الدنيا ، وحقّ السلطان أن تعلم أنّك جعلت له فتنة وأنهّ مبتلى فيك بما جعل له عليك من السلطان ، وأن عليك ألّا تتعرّض لسخطه فتلقي بيدك إلى التهلكة وتكون شريكا له في ما يأتي إليك من سوء ، وحقّ سائسك بالعلم التعظيم له والتوقير لمجلسه وحسن الاستماع إليه والإقبال عليه وألّا ترفع عليه صوتك ولا تجيب أحدا يسأله عن شيء حتى